التمكين الاقتصادي للمرأة الفلسطينية.. في ظل محدودية السوق المحلي ونقص التمويل

كتب / رائـــــــــــد حلـــــــــــــس
باحث ومختص في الشأن الاقتصادي

يشكل التمكين الاقتصادي للمرأة الفلسطينية هدفاً استراتيجياً للسلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، ولتحقيق هذا الهدف سعت السلطة الفلسطينية إلى زيادة مشاركة المرأة الفلسطينية في الاقتصاد ورفع مشاركتها في سوق العمل، واتخاذ جميع الاجراءات التشريعية والتنفيذية التي تكفل حماية المرأة في سوق العمل، وتبني الإستراتيجية المؤسسية ودمج النوع الاجتماعي في الوزارات وفي مؤسسات المجتمع المدني.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني أحرزت تقدمًا في تعزيز مشاركة المرأة الفلسطينية في سوق العمل خلال العقدين الماضيين، إلا أن الفجوة الكمية والنوعية للنوع الاجتماعي لا تزال كبيرة، فكمياً هناك فجوة بالمشاركة في القوى العاملة ومعدلات الأجور والبطالة، ونوعيًا هناك فجوة في نقاط الدخول والاستقرار في سوق العمل، بحيث تتركز النساء في الزراعة والخدمات وفي المهن المتدنية والداعمة وظيفياً ، كما تنخرط عديد النساء في العمل غير المأجور، مما أثر على التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة الفلسطينية.
وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى تدني نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة في فلسطين، والتي تعتبر من ضمن أقل المعدلات عالمياً، حيث بلغت نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة نحو 19% مقابل 70.9% لمشاركة الذكور في القوى العاملة لعام 2017.

وتجدر الملاحظة أن معدلات البطالة في فلسطين ترتفع بشكل ملحوظ بين أوساط الإناث، والتي بلغت خلال العام 2017 نحو 47.8% جراء ظروف سوق العمل التي كثيراً ما تكون عاملاً طارداً لعمل النساء، وبخاصة اللواتي يتمتَعن بمستوى تحصيلي أكاديمي مرتفع (13 سنة دراسية فأكثر)، إذ بلغ معدَل البطالة في أوساطهن 54.2%.
وبالتالي فإن تدني مشاركة المرأة في سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة في أوساطها، يمثل إهدار لأهم عنصر في المجتمع، كون المرأة عنصر بشري فاعل وعامل كالرجل، وأن إهدار هذا العنصر وجهوده وإنتاجيته وتأثيراته، يمثل بلا شك سوء استغلال واضح للموارد المتاحة في المجتمع، ويؤخر من الجهود المبذولة لتحقيق التنمية ويشوه مساراتها ومخرجاتها، الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهود لتمكين المرأة اقتصاديًا، وتحقيق العدالة والتكافؤ في الفرص الاقتصادية، وجسر التباين والتفاوت الذي يميل في صالح الذكور، ومعالجة التمييز.
كما أن التمكين الاقتصادي للمرأة يعد مدخلاً للتخفيف من وطأة البطالة، وذلك لسبب رئيسي وهو أن اندماج المرأة في النشاط الاقتصادي وارتفاع نسبة مشاركتها في سوق العمل، يؤدي إلى تحقيق العديد من المكاسب الاقتصادية، منها الحصول على فرص التوظيف التي تؤمن لها مصدراً دائم للدخل، كذلك تحقيق الاستثمار الأمثل للموارد البشرية المتاحة على المستوى القومي، وتخفيض نسبة البطالة، ما يؤدي للوصول إلى النمو الاقتصادي، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية للأمام.
ولا شك يواجه تمكين المرأة الفلسطينية جملة من التحديات، أبرزها، الظروف التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني، المتمثلة في محدودية وضيق السوق المحلي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وعدم القدرة على خلق فرص عمل جديدة بالقدر الكافي للنساء، بالإضافة إلى تقليص التمويل والمساعدات عن العديد من المؤسسات ووقف العديد من الشراكات مع المؤسسات الأهلية وبعض برامج المساعدات الإغاثية وبرامج التشغيل، والذي سوف يقود في المحصلة النهائية إلى زيادة وتيرة الأزمة الاقتصادية في فلسطين وارتفاع مستوى البطالة وبخاصة في أوساط النساء، مما يضع السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني أمام تحدي وهو تمكين المرأة الفلسطينية اقتصادياً في ظل هذه التحديات.
إن مواجهة التحديات في هذه المرحلة، يتطلب التوجه نحو دعم المشاريع الصغيرة للنساء، لا سيما وأن المشاريع الصغيرة تمتاز بكثافتها العالية في استخدام الأيدي العاملة مقارنة برأس المال المستثمر فيها، وإعطاء فرص لتعزيز قدرات النساء وتحسين سبل العيش والتخفيف من حدة البطالة.
وهذا التوجه بحاجة إلى الدعم الحكومي ودعم القطاع الخاص، حيث يتمثل دور النساء في اختيار المشاريع الريادية الخلاقة ذات الجدوى الاقتصادية، ويتمثل دور الدعم الحكومي في تشجيع المشاريع النسائية وتخصيص بند في الموازنة العامة لمشاريع الفئات غير المقتدرة وخاصة النسائية، ودعم المبادرات الإبداعية وتقديم إعفاءات ضريبية للمشاريع التي تقام في المناطق المهمشة والتي تملكها النساء وتشغل أكثر من 5 فتيات، ويتمثل دور القطاع الخاص وتحديدًا القطاع المصرفي ومؤسسات الإقراض المتخصصة تقديم تسهيلات مصرفية لفترات طويلة وبدون فوائد للمشاريع النسوية الإبداعية.