حينما طلب مني أن أكتب في قضية هي غاية في الأهمية، وهي المشاركة السياسية للمرأة في صناعة القرار وعملية التنمية، ترددت كثيراً، ليس من قبل الترف أو الترفع عن الكتابة حول هذه القضية التي تحظى بجل اهتمامي، ولكن نظراً لصعوبة الواقع الذي نحياه، هل بالإمكان الحديث عن تنمية ولو بالحد الأدنى منها،؟ وهل يمكن الحديث عن مشاركة سياسية في ظل تعطل كل مقومات الحياة الديمقراطية وعلى رأسها المجلس التشريعي، مروراً باتحادات الطلبة، والنقابات، الاتحادات الشعبية الخ؟.
قبل عشرين عاماً ونيف كنا نتحدث باستحياء شديد عن عملية التنمية، بعد عودة السلطة الوطنية الفلسطينية، وانشاء المؤسسات، وغيرها، وكنا بالكاد نستطيع ان نلملم بعض المعطيات المتناثرة هنا وهناك، للحديث عن مشاريع صغيرة تنموية، لا تتجاوز التعاونيات، وبعض المشاريع الانتاجية، عبر بعض المؤسسات والتي لم يكتب لها طول العمر والدوام، خاصة بعد الانتفاضة الثانية، وما تبعها من حالة انقسام، وتقويض تمويل المجتمع المدني.
في ظل الأزمات العالمية والإقليمية التي طفت على السطح، فلم تعد الحالة الفلسطينية هي الحالة الوحيدة التي تحظى باهتمام المانحين فهناك ملايين اللاجئين جراء الحروب وعدم الاستقرار السياسي والنزاعات الداخلية خاصة سوريا، ليبيا ، اليمن، العراق الخ حرفت بوصلة الاهتمام الدولي.
تساؤلات طُرحت من فترة طويلة، وبقيت حتى اللحظة ، هل يمكن الحديث عن تنمية في ظل حصار، وتقويض الموارد، وانقسام، وحالة ترهل وتدهور في معظم مفاصل الحياة، طالت اللاجئين الجزء الأكبر من المجتمع الفلسطيني ، وما تبعه من إجراءات تعسفية توشك أن تنهى دور هذه الوكالة التي أنشئت عقب النكبة.
الواقع المعاش بمعطياته لا يبشر بتنمية، ولا مشاركة سياسية فاعلة للمرأة في ظل حالة انعدام الإمن الإنساني، وتزايد معدلات البطالة وسط الإناث التي وصلت ضعفي الذكور، ونسبة امية بلغت ثلاثة أضعاف الذكور، ومشاركة متدنية في سوق العمل، وكثافة سكانية تجاوزت المعدلات العالمية في قطاع غزة، ونسبة خصوبة لا زالت عالية، ما يستوجب زيادة في عدد الخدمات والاحتياجات الرئيسة، والتي هي متوقفة، بعد العدوانات الاسرائيلية الثلاثة التي طالت القطاع، أنهكت جسده المتعب.
أجواء التنمية والمشاركة السياسية كجزء أصيل في عملية التنمية، بحاجة لمقومات وبيئة مواتية لعملية التنمية والمشاركة معاً وهذا لم يتوفر بعد في قطاع غزة تحديداً، في ظل واقع اجتماعي آيل للسقوط، بعد زيادة معدلات الطلاق خلال العام الماضي، وحالة التفكك الاسرى والإنهيار القيمي المتواصل، في ظل الفقر الشديد وتدهور الواقع المعيشي والاقتصادي ووقوع أكثر من نصف الاسر تحت خط الفقر وفق التقديرات الاممية، ما ساهم في زيادة معدلات العنف بحق النساء من جميع الشرائح المجتمعية، وهذا انعكس بشكل مباشر وغير مباشر على مدى مساهمتها في المجتمع بشكل فاعل.
أمراض اجتماعية ونفسية طفت على السطح، عناوينها الادمان، والابتزاز الالكتروني، غياب الوازع الاخلاقي، فقد الأمل، الحصار، الرغبة في الهجرة كل هذه ومجموعة كثيرة من الأسباب، وضعت الأسر على مفترق طرق خطير، في ظل العودة للعائلة الممتدة، وغياب المسؤولية تجاه الأسرة والأبناء، وحالة الضياع والتشتت التي أصابت معظم المجتمع خاصه شبابه من الجنسين.
أمام كل هذه التحديات والمعطيات الصادمة، كيف بإمكاننا أن نحدث حالة من الاختراق، ومنع المزيد من التدهور المجتمعي، لا بد من تدخلات عاجلة على المستوى الرسمي ومؤسسات المجتمع المدني، وكل الفاعلين في المجتمع، لوقف هذا النزيف الحاد الذي يهدد بنية ونسيج المجتمع.
الاستقرار السياسي رافعة اساسية وبوصلة لكل عملية تغيير قادمة، إن التنمية بمفهومها الضيق في ظل الحالة الفلسطينية، تتطلب انهاء الاحتلال الإسرائيلي باعتباره هو المعيق الاساس والأول لعملية التنمية والمشاركة، إنهاء الحصار المفروض على القطاع الذي طال أمده، وإنهاء الانقسام الفلسطيني في أسرع وقت ممكن.
لا بد من وجود منظومة قانونية، تتجاوز سنوات الانقسام، تحفز النساء على المشاركة الفاعلة في المجتمع، من خلال قانون أسرة عصري قادر على إعمال حقوق النساء ووقف العنف التي تتعرض له في الحيز العام والخاص، كمعيق اساس في عملية المشاركة، عدا عن وجود قوانين ترفع من نسبة حصة النساء في المشاركة السياسية، تنفيذاً لقرارات المجلس المركزي الأخيرة.
هذا على المستوى الرسمي وعلى المجتمع المدني بكل مكوناته من أحزاب ومؤسسات وجمعيات، اتحادات، أن يقوم بدوره المنوط به، من خلال برامج ذات بعد تنموي، لا تقتصر على التوعية والتثقيف فحسب بل تمتد لمشاريع إنتاجية قادرة بالقيام بالجزء اليسير من مسؤولياتها تجاه الأسر المعوزة لوقف حالة التدهور والحفاظ على الاستقرار ومن ثَم الحديث عن تنمية.

كتبت الاعلامية / ماجدة البلبيسي