لقد حرصنا نـحن الفلسطينيون على مدار تاريخنا أن نتمسك بكل القيم الأصيلة الإيجابية في تراثنا الوطني، ويمكن القول أن أبرز ما يميز هذه القيم هي قيم التسامح والتآخي والتكافل، وقد فرض واقع الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي ضرورة ترسيخ هذه القيم، ليس كونها قيم مجتمعية أصيلة فحسب، وإنما لما لذلك من أهمية بل وشرط في نجاحنا في معركة الصراع مع احتلال مجرم عنصري، سعى طوال الوقت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الفلسطيني كمدخل لضرب وسحق القضية الوطنية، وتقسيم الوطن والنظام السياسي الفلسطيني، لقد أدرك الاحتلال الإسرائيلي أن قوة الشعب الفلسطيني تمثلت طوال الوقت في وحدته وتعاضده، وقد وجد أبنا شعبنا بكافة قواه السياسية والاجتماعية، أشكالاً إبداعية في تجسيد هذه الوحدة رغم الإختلاف الاجتماعي والسياسي والفكري بين فئاته، فقد وحدهم هدف النضال المشترك ضد الاحتلال، وعضضت من وحدتهم حجم المخاطر والقوى التي تكالبت عليهم على مدار مراحل تطور القضية الفلسطينية، ابتداء من الإنتداب البريطاني، مروراً بالوصاية الأردنية على الضفة الغربية، والتواجد المصري في قطاع غزة، وانتهاء بالاحتلال الإسرائيلي الذي ما زال قابع على صدورنا بمختلف الأشكال والوسائل .
لذلك رفعت كافة القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية شعاراً اعتبروه بمنزلة المقدس ” الدم الفلسطيني خط احمر ” وقد كان هذا الشعار يعكس ذاته بإلحاح عندما كان الفلسطينيون في الداخل أو في الخارج ينزلقون إلى متاهة الانشقاق أو الصراعات الداخلية وبخاصة العنيفة منها، وهنا نسجل بان هناك العديد من المنعطفات التي عاشها شعبنا وثورته الفلسطينية شهدت أحداث يندى لها الجبين، ويمكن القول بأنها وصمة عار في تاريخ شعبنا، حيث تقاتل الإخوة والأشقاء في مراحل مختلفة، لكنهم استطاعوا في نهاية المطاف أن يوحدوا شملهم مجنبين شعبنا وقضيته المزيد من الماسي والخسائر .

وبرغم أن السمة العامة للثورة الفلسطينية والحالة المجتمعية العامة وكذلك للنظام السياسي الفلسطيني قد غلب عليها طابع التوحد، بكل ما يحمله ذلك من دلالات إيجابية، إلا أن المرحلة الأخيرة والتي ما زلنا نعيش تفاصيلها، شهدت واقعاً مختلفاً، تميز بالانقسام في كافة بُنى المجتمع، انقسام يمكن وصفه بالعمودي، ابتداء من رأس النظام السياسي مروراً بالمؤسسة والشارع، وانتهاء بالبيت الواحد الذي جسد في أحيان عديدة صراعاً مريراً بين الإخوة والأبناء بسبب الإنتماء الفصائلي وحالة الإنقسام الكارثية .
إن اخطر ما يمكن الحديث عنه في لحظتنا الراهنة ارتباطاً بحالة الإنقسام الداخلي، هو أن إفرازات هذه الحالة قد شوهت مضمون وثقافة وقيم المجتمع، فقد حلت الكراهية بدل المحبة، وشعور الإنتقام بدل التسامح، والإنتماء للجماعة على حساب الإنتماء للوطن، والرغبة في الهروب من المجتمع والوطن بدل الصمود وتصاعد إرادة النضال، وتراجعت روح التكافل الإجتماعي لصالح العشيرة والفصيل، وبُهتت قيم المبادرة والتطوع للصالح العام لترتفع نزعات الأنا والبحث عن الذات والمصالح الضيقة، ونتيجة لذلك صار الفلسطينيون يشعرون بالغربة في وطنهم، لأنهم ما تعودوا ذلك، فقد عاشوا في السابق سنوات المرار والألم بسبب ممارسات الاحتلال لكنهم عشقوا الوطن، وحبوا بعضهم بعضا، وتسامحوا فيما بينهم، وكانت روح التكافل فيما بينهم بألمع صورها، أما الآن فقد أخذتهم حالة الانقسام إلى واقع لم يكونوا يتخيلوه في يوم من الأيام، وأكثر ما يقلقهم مصير مشروعهم الوطني الذي بات مهددا بسبب حالة الانقسام وتداعياته الكارثية، وشعورهم بان ما جرى لمجتمعهم من تراجع قيمي يحتاج لسنوات من اجل الترميم في حال توفرت النوايا والإرادة الصادقة ممن يعتلى صهوة الانقسام ومستفيد من استمراره.
لقد أصبح ملحا الآن وحتى لا تتمأسس حالة الانقسام وبالتالي حالة الفرقة والكراهية، وحتى لا تتنامى اكثر مشاعر الانتقام بين أبناء الشعب الواحد والمصير المشترك، وحتى لا تذهب تضحيات أبناء شعبنا هدرا وينكسر المشروع الوطني، وحتى لا نتحول لمجتمع اقرب إلى الحيوانية منه للإنسانية، يجب علينا اليوم وقبل غدا مغادرة حالة الانقسام الداخلي وتطبيق كل ما تفق عليه في حوارات القاهرة وغيرها، يجب علينا تغليب مصالح الشعب والوطن على كافة المصالح الأخرى، وبخاصة مصالح من هم منتفعين من حالة الانقسام وبقائه، يجب أن نمتلك الإرادة من اجل ذلك، بل وان نرفع من وتيرة نضالنا الشعبي ضد كل من يحرص على استمرار الانقسام وبقائه، وكذلك أن نبذل كل ما لدينا لمواجهة كل قوى التعطيل الخارجية، والتي من مصلحتها أن يبقى الفلسطينيين منقسمين، وان يتاجر بهم وبقضيتهم لمصالح عربية أو إقليمية ودولية رخيصة .
إن تجاوز حالة الانقسام الداخلي، يعني أن نعيد القطار إلى سكته الصحية، سكة الوحدة والعمل المشترك والشراكة، يعني أن نعيد الاعتبار للشعب ومصالحه التي انتهكت، وقضاياه التي غُيبت، وان نعيد للوطن وجهه المشرق، وللقضية الوطنية هيبتها ومكانتها بعد أن طحنتها رحى الانقسام والصراعات، يعني أن نعيد رثي النسيج الاجتماعي الذي تمزق، وان نعيد المكانة والاعتبار لكل القيم التي تربى عليها شعبنا وشكلت أساسا لطابعه الاجتماعي، قيم المحبة والتآخي والتسامح والحرص المشترك ونكران الذات للصالح العام، ليعلو من جديد شعار يجب أن يبقى دائما وأبدا شعار كل المخلصين الأحرار ” مجرم من يقترب من الدم الفلسطيني، ومجرم من يحطم قيم مجتمعنا الأصيلة التي نفتخر ونعتز بها دوما وتشكل صمام أمان سياسي واجتماعي لشعبنا” .

نافذ غنيم
أمين سر لجنة المصالحة الوطنية