بقلم / د. إبراهيم نتيل

أكاديمي وباحث سياسي

لعب الفن والأدب بمختلف أدواته الحرة دوراً بارزاً في مراحل النضال الفلسطيني عبر التاريخ وجسد روحاً لإبداعات العطاء التي لا تقل أهمية وفاعلية وقوة وصدى في مجالات الحياة المختلفة. فقد حملت الانجازات الأدبية والفنية المختلفة للقضية الفلسطينية صدى أقوى في بعض الأحيان من أدوات نضالية مختلفة بطريقة إنسانية وحضارية ، و ممكن أن نجزم بأن صدى وتأثير الفن والأدب كان أقل تكلفة وإرهاقاً من ارتجاليات الساسة وتخبطتاهم وتجاربهم علي المواطن الفلسطيني الذي لا حول له ولا قوة.

 لقد ساهم كثير من النوابغ الأدبية والفنية علي سبيل الذكر وليست الحصر أمثال توفيق زياد ومحمود درويش وناجي العلي وفدوي طوقان وعبد الرحيم محمود وادوارد سعيد وخلافهم في مد وضخ الروح والتعبئة النقية للقضية الفلسطينية بعيداً عن التجاذبات والحسابات السياسية والتخندق الأيدلوجي والأصوليات الدينية.

 لقد ساهم هؤلاء النوابغ بنقش اسم فلسطين وقضيتها العادلة بأجمل وأروع العبارات في الحضارة الإنسانية في زمن تراجعت فيها القضية الفلسطينية في المحافل الإقليمية والدولية بسبب العواصف والحروب والأولويات التي تعصف بالمنطقة العربية بين الفينة والأخرى. حيث مازالت ذكراهم وإبداعاتهم ورمزيتهم الفكرية محطات شاهدة وحية أدبيا ومعنويا في نفوس الشعب الفلسطيني علي اختلاف مشاربهم وانتمائهم، فهم سفراء لفلسطين فوق العادة على الرغم من رحيلهم عن هذه الدنيا ويمثلوا بريقاً حياً وطنياً وقومياً وعالمياً، تتناقل وتتوارث إبداعاتهم الفكرية من جيل إلي أخر في أصقاع المعمورة كجزء أصيل من الموروث الإنساني الثقافي.

 فقد أحيوا فلسطين واسمها وشعبها عبر الحضارات والثقافات المعاصرة والتي جسدت التعددية الفلسطينية بطريقة حضارية وبرزت كمنبر أدبي وفني لا يمكن طمسه عبر التاريخ كشاهد لفضح ممارسات الاحتلال البشعة والعنصرية بحق الشعب الفلسطيني في ظل غياب التغطية الإعلامية وعدم اتزانها في ذلك الوقت. مثل هؤلاء النوابغ منابر للدبلوماسية الفلسطينية الشعبية والتي كانت دوماً إبداعات فردية بدون رعاية كاملة رسمية أو سياسية. كانت هذه الإبداعات مبادرات فردية وحرة بمعني الكلمة ولكن تأثيرها وأثرها كان كبير وعميق في نفوس الشعب الفلسطيني ومؤيديه.

 لقد تجاوز أدبهم وفكرهم وفنهم أبعد رؤية من أي موازنات صفرية أو مبادرات مسلوبة لإحياء الثقافة والتراث الفلسطيني في ظل تزايد الأصولية وكبت الحريات العامة بطرق مختلفة والتخندق في الحزبية الفكرية. لقد خرج هؤلاء المبدعين علي الرغم من هذه التحديات والصعوبات عبر التاريخ الفلسطيني المعاصرلاعادة الأمل ومساهمة الأدب والفن في القضية الفلسطينية.

 لقد أزاح وساهم الشاب المبدع محمد عساف ابن مخيم خانيونس للاجئين في رفع الستار و القناع عن كثير من هذه الرواسب والتحديات لإعادة التأكيد علي ضرورة توجيه صانع القرار والسياسي الفلسطيني لأهمية الفن الهادف والبناء في إعلاء القضية الفلسطينية في المحافل الدولية والإقليمية. نجاح عساف هذا الانجاز الفلسطيني أوجد مساحة للقضية الفلسطينية في العديد من الصحف العالمية والعربية لدرجة أن الصحافة الإسرائيلية التي تستخدم دائما مصطلحات تنم عن ثقافة الاحتلال باتجاه الشعب الفلسطيني لقد وجدت هامش لتغطية القضية بأن الفن الفلسطيني وضع بصمته في توحيد الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده في ظل فشل السياسيين في فعل ذلك. خرج هذا الشاب المبدع متحدياً الاحتلال وحصاره ليصبح صاروخاً للسلام والمحبة والفرح والعتق من التحجر وكبت الحريات ليصبح سفيراً فوق العادة للنوايا الحسنة وللشباب الفلسطيني. لقد قدم انجازاً تاريخياً في تسليط الضوء علي فلسطين ومعاناتها يعجز جيش من الدبلوماسيين الفلسطينيين المحترفين علي انجازه مجتمعين. يعد انجازه الفني انتصاراً ثقافياً ذو معنى ومغزى سياسي متعدد الأبعاد في زمن تبعثرت فيه المحاولات العقيمة لتقديم انجازات بأقل الخسائر والمعاناة علي كافة الأصعدة بسبب غياب الوحدة والانقسام والتفرد والفصائلية المقيتة وكبت الحريات وغايات السياسات التنموية التي عمادها الرئيسي الشباب وطاقاتهم المبدعة. لقد ساهم عساف في تكريس قضية فلسطين فنياً وثقافياً في ظل الخريف العربي والفوضى الخلاقة التي تكتسح المنطقة.

 لقد أضاف عساف بمجهوده الفردي بصمة إلى انجازات الشعب الفلسطيني في عالم الفن والإبداع لينضم إلى هؤلاء الذي سبقوه. محمد عساف هو ظاهرة فنية بحد ذاتها أبهرت الملايين عبر العالم عرباً وعجماً بدون أي مبالغة وأدخلت البهجة والغبطة للملايين من الفلسطينيين بدون معاناة أو خسائر تلك التي اعتادوا عليها بسبب الاحتلال وممارساته وغياب العمل الجماعي في السلم أو المقاومة بكافة الأشكال. هذه فرحة وسرور لها معني وطعم انتظره الشعب الفلسطيني طويلاً ليروا فناناً مقاوماً بصوته يغني لفلسطين بطريقة حضارية معاصرة لكل فلسطين وللأسري والجرحى ويكتب سطوراً في التاريخ في ظل شح الإمكانيات وغياب السياسات والعشوائية علي كافة الأصعدة.

 اعتقد أن دبلوماسية الفنون في فلسطين تستطيع أن تقدم الكثير إذا كان هناك تطوير للسياسات والموازنات لذلك عساف هو قائد مدرسة الدبلوماسية الشعبية الفلسطينية إن صح التعبير بدون تكلفة أو ثمن ليبقي صوتاً نقياً يمثل فلسطين ويخاطب العالم عن عدالة القضية.