كتب /
الباحث. يحيى سعيد قاعود

يبدو أن كشف واقع المرأة الفلسطينية ومدى مشاركتها في الحياة السياسية والعامة، لا يتم إلا من خلال البحث عميقاً في الظروف المجتمعية المحيطة بها، وفي ظل الخصوصية الفلسطينية. فبدون رمي لمحة فاحصة لهذا الواقع لا يمكن رسم وحصر واقع وكينونة المرأة الفلسطينية.
عانت المرأة الفلسطينية التي تشكل نصف المجتمع الفلسطيني من واقع الاحتلال الإسرائيلي، وذكورية المجتمع الفلسطيني. وعندما نقول نصف المجتمع الفلسطيني؛ أو شريك الرجل وغيرها من الأدبيات، فهي ليست منه، بل هي وفقاً لإحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 49.2% لعام 2018م. رغم ذلك، قدمت المرأة الفلسطينية طوال تاريخ القضية الفلسطينية الكثير لفلسطين، وإن أردنا ذكر نضالات المرأة الفلسطينية وما قدمته للمجتمع لا تتسع المقالة أو حتى كتاب لما قدمته. لذا، نكتفي بذكر بعض مواقع تواجد المرأة الحالية، فالمرأة الآن في المعتقلات الإسرائيلية، وفي “مخيم الخان الأحمر”، و”مخيمات العودة”، و”تغتال في القدس”، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقاوم المرأة الفلسطينية قانون العنصرية بكل قوة في الداخل… القائمة تطول، ونكتفي هنا بالقول “يكاد لا يخلو يوم من الأيام الفلسطينية من شهيدة، أو أسيرة، أو مناضلة، أو ثائرة، أو ناشطة مجتمعية تطالب بإنهاء الانقسام”.
رغم ذلك كله، المرأة الفلسطينية لم تتحصل على حقوقها السياسية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، رغم وصول بعض النساء الفلسطينيات لمواقع صنع القرار، فالنسوة التي وصلت لمواقع صنع القرار لم تعكس نسبه المرأة الفلسطينية في المجتمع الفلسطيني. وعليه نطرح سؤال: هل وجود المرأة الفلسطينية في مواقع صنع القرار هو صوري أم ضروري؟
تستوجب الإجابة عن هذا التساؤل، أولاً البحث عن واقع المرأة الفلسطينية، وثانياً، طرح آليات تفعيل دور المرأة في صناعة القرار الفلسطيني.
المرأة الفلسطينية وصنع القرار الفلسطيني
إن قضية مشاركة المرأة في صنع القرار الفلسطيني قضية جدلية تستحوذ على اهتمام الكثير منظمات وأطر المجتمع المدني، لاسيما المنظمات والأطر النسوية، وكذلك الفاعلين في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية. رغم كل الطاقات والنشاطات المبذولة لإظهار قضية مشاركة المرأة، إلا أن الصعود يسير ببطء شديد. بسبب الاعتبارات الأخرى التي تكتنف القضية الفلسطينية ومستجداتها، كالاحتلال ومخططاته، وسياسات الولايات المتحدة الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية. بالإضافة إلى القضية الأبرز داخلياً “الانقسام الفلسطيني”، هذه القضايا تأخذ الاهتمام الأول سياسياً واجتماعياً، ومن ثم تأتي قضية المرأة.
رغم أن القضايا مترابطة ومتشابكة ولا يمكن فصلها. فالمرأة الفلسطينية كما ذكرنا هي جزء أساسي من عملية التحرر الوطني، وكذلك في عملية البناء الوطني، بما فيها إنهاء الانقسام الفلسطيني. ونستذكر هنا دور المرأة الفلسطينية التي خرجت في وقفة احتجاجية للمطالبة بإنهاء الانقسام، والتي توقفت مع بداية عدوان 2014م.
إن البحث عن دور المرأة في صناعة القرار الفلسطيني، يأتي بسبب غيابها، فتواجد المرأة الفلسطينية في صنع القرار ضمن كل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية ومنظمات وأطر المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب السياسية، ضعيف. يكاد لا يذكر مقارنة بالإحصائيات الرقمية مع الرجل.
أورد حسنى عايش في كتابه “المرأة والدور: نظرة أردنية”. “لا يكفي أن تصل المرأة إلى الوزارة والبرلمان والمؤسسة، بل ينبغي أن نساعدها على أخذ دورها في كل مجالات المجتمع، وألا تعتمد المسألة على أسلوب “الفزعات”، أي أن ننتبه إلى ضرورة توعية المرأة عند الأحداث المهمة فقط، كالانتخابات، ثم نهدأ بعد ذلك”.
هذا ما حدث عندما تحركت النساء الفلسطينيات قبل اجتماع المجلس الوطني لمنظمة التحرير لتطبيق نسبة الكوتا (30%) رغم أنها لا تعكس ديمقراطية التمثيل، وما أن عقد المجلس، سكنت المطالبات بتنفيذها. لهذا، وصلت المرأة الفلسطينية لما وصلت إليه بأسلوب التعيين، أي الحضور “الصوري”، وليس بأسلوب “الضرورة”. ولعل المثل الأبرز في ذلك، هو قانون الانتخابات الفلسطيني الذي أجبر القوائم الحزبية على تواجد المرأة الفلسطينية.

آليات تفعيل دور المرأة الفلسطينية
إن قضية المرأة الفلسطينية لا تخصها وحدها، بل هي علاقة تكاملية مع الرجل، وبالتالي، إذا ما أردنا تعزيز دور المرأة في صناعة القرار الفلسطيني، يتوجب العمل في عدة مسارات، نذكر منها:
أولاً، المرأة الفلسطينية
هناك بعض المعيقات الذاتية تتعلق بالمرأة الفلسطينية نفسها، عليها أن تتخطها إذا ما أرادت خوض غمار العمل العام. أهمها، قوة المشاركة الفاعلة التي تعكس نسبة المرأة الفلسطينية، وألا يقتصر العمل على بعض الناشطات اللواتي يطالبن بحقوق النساء. فتوسيع القاعدة المطلبية مع العمل الجاد وطرح نسوي قوي في كل مجالات الحياة السياسية العامة الفلسطينية.
فالمطالبة بدون طرح نسوي لمعالجة إشكاليات المجتمع لا معنى له سوى الوصول الصوري. وأعتقد أن النساء قادرات على العمل ولديهن وجه نظر علمية لما يدور في الساحة الفلسطينية، وعليهن تقديمها والترويج لها، حتى تتمكن النساء بعد ذلك بالمطالبة بحقوقهن المشروعة، والوصول لما يردن الوصول إليه.
ثانياً: المؤسسات السياسية
إن المرأة الفلسطينية ليست عدداً أو قضية ثانوية يمكن تغافلها لصالح قضايا يعتقد أنها أهم، فالمرأة الفلسطينية نصف المجتمع الفلسطيني، وتقدم كما يقدم الرجل للمجتمع وتزيد.
فالمطلوب من المؤسسة السياسية هو تنفيذ القوانين والقرارات التي أقرت لتحسين وصول المرأة لصناعة القرار السياسي، لاسيما القوانين الداخلية والاتفاقات التي وقعت عليها السلطة الوطنية كاتفاقية “سيداو”. ففي حال نفذت تلك القرارات، سوف تحصل المرأة على نسبة 30% من صناعة القرار، وتعتبر تلك النسبة كمرحلة أولى على طريق حصول المرأة على حقوقها جيدة، لكنها لا تعكس بأي حال من الأحوال الديمقراطية، فقد تحصل المرأة في ظل ظروف سياسية أفضل على نسبه أعلى تعكس نسبتها في المجتمع الفلسطيني أو تزيد.
ثالثاً: منظمات المجتمع المدني
كما ذكرنا سابقاً، قضية المرأة الفلسطينية، ليست قضية تخصها وحدها، بمعزل عن الرجل وعن منظمات المجتمع المدني بشكل عام، بل على المنظمات أن تطالب وتناصر المرأة للحصول على حقوقها المشروعة.
فيما يخص الأحزاب السياسية، تكاد تكون نسبة المرأة الفلسطينية في صناعة القرار معدومة “المكاتب السياسية”، مقارنة بنسبة الرجل. مع أن الكثير من النساء مأطرات داخل الأحزاب، والحقيقة هي صوت انتخابي وليس شريك سياسي.
نحن بحاجة ملحة لتغيير بعض المفاهيم السائدة في المجتمع الفلسطيني، للمساهمة في رفع نسبة مشاركة المرأة الفلسطينية في صناعة القرار. إن الكل الفلسطيني-قيادة سياسية، منظمات المجتمع المدني-أحزاب فلسطينية، تقر بدور المرأة الفلسطينية وتاريخها النضالي وقدرتها على العمل، لكن في حقيقة الأمر، المرأة لم تتحصل على حقوقها السياسية والاجتماعية بعد.
في الختام، لتغيير واقع المرأة الفلسطينية نحن بحاجة، لتنفيذ القرارات التي أقرت من قبل منظمة التحرير الفلسطينية ومجالسها بشأن مشاركة المرأة الفلسطينية “الكوتا”، وهذا يتطلب دعم مكونات النظام السياسي الفلسطيني. وليس فقط هي معركة النساء وحدهن.
إن تعزيز دور المرأة الفلسطينية في صناعة القرار، لا يقتصر على منظمة التحرير أو مؤسسات السلطة الوطنية، بل هناك انتخابات محلية، وانتخابات مجالس طلبة، ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها. لذلك، على المرأة الفلسطينية أولاً العمل بكل جد من خلال طرح رؤيتها وتثبيت تواجدها، ثانياً، العمل على دعمها والإيمان بدورها الفاعل والمؤثر، وليس فقط الإقرار به.